الترجمة الثنائية وفوائدها
25-01-2009
قال الحكيم سليمان، "اثنان خير من واحد لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة"، وقد اقتبس هذه الكلمات كثيرون عبر العصور وطبّقوها على الزواج. ومع أنها صحيحة في حال الزواج إلا أنها ليست محصورة فيه، بل يمكن تطبيقها على ثنائيات شتى في الحياة. وفيما يلي محاولة لإقناعكم بفوائد العمل الثنائيّ في الترجمة.
كتب الزميل عبد الودود العمراني مقالة مفيدة عن التعامل مع الزملاء وتكوين فريق عمل. لكنني هنا أركّز على ناحية واحدة من المشاركة، وهي عمل الترجمة الذي يقوم به مترجمان اثنان فقط. هذه الدراسة مبنيّة على تجربة شخصيّة متواضعة في الترجمة الثنائيّة، وعلى تعاوني مع زوجي في هذا الأمر لسنين عديدة. ليست الثنائية حصراً على الزوجين ولكن يمكن بكل سهولة أن تكون بين زميلين مترجمين.
كيف تتمّ الترجمة الثنائيّة؟
يجب أن يكون النص المصدر موجوداً على حاسوب كلا الطرفين، ويقوم الأول فيهما بالترجمة بصوت مسموع. أما المترجم الثاني فيطبع باللغة المترجَم إليها، ويعكف على محو كل ما تمّت ترجمته من اللغة المصدر لكي يرى النص باللغة المترجَم إليها، وما يتبعه مباشرة في اللغة المصدر. إن معظم أداء المترجم الأول شفهيّ، فكل ما يجب عليه أن يعمله على الحاسوب هو إيجاد مرادفات إن تعسّرت عليه، وهذا طبعاً ممكن من خلال القواميس المحمّلة على الحاسوب. أما المترجم الثاني فيفكر في اللغة الهدف، ويرى صياغة النص، وهكذا يمكن أن يعدل بصمت ما لا يستحق الذكر، أو يقدّم اقتراحاً مسموعاً إن لزم الأمر. وربما ظنّ أحدهم أن هذا مضيعة للوقت لأن الاثنين يعملان عملاً يمكن لواحد منهما أن يعمله، ولكن قس سرعتك في الترجمة الفردية، ثم جرّب هذه الطريقة وقس سرعتك مجدداً، وستفاجأ بأن العمل الثنائي يتم في أقل من نصف الوقت الذي يحتاج إليه الفرد لإنجاز نفس العمل.
أسباب تفوّق العمل الثنائيّ على العمل الفرديّ:
1. المترجم الأول غير مشغول بالحاسوب والطباعة وتعديل القياسات والأمور التقنية، ولكن كل تركيزه مُنصبّ على اللغة المصدر؛ في حين أن المترجم الثاني يتأمل في النص في اللغة الهدف، ويستطيع بكل سهولة أن ينتبه مثلاُ إلى تعديل الفعل في الحديث عن المثنى عوضاً عن الجمع، وإلى الحركات الإعرابية، وإلى صياغة الجملة. سيتمكن أيضاً من وضع مفردة جديدة عندما يلاحظ تكرار كلمة ما، وهكذا تغدو مراجعة النص عملاً سريعاً جداً بعد الانتهاء من الترجمة. ووجود النص أمامه يجعله قادراً على نقل علامات الترقيم والأرقام والشواهد والأسماء الغريبة بكل سهولة.
2. أحياناً لا تخطر ببال المترجم الأول الكلمة المناسبة، وهنا يأتي دور الشريك الذي يقترح عليه ما يناسب. وهذا بمفرده يقلل من الوقت المنفَق في البحث عن المعاني، ليس لأن واحداً من المترجمين هو أمهر من الثاني، ولكننا جميعاً معرضون لأن تغيب الكلمة المناسبة عن بالنا، وهنا تكمن روعة التعاون الثنائيّ.
3. الترجمة عمل مرهق فكرياً ونفسياً، وعندما يعمل كل منا بمفرده فقد يسهو أو ينشغل بعمل أشياء ثانوية على الحاسوب من دردشة وتفقد للبريد، وهذا طبعاً غير ممكن عندما يعمل مع مترجم آخر.
ما هي الشروط التي يجب توافرها في الفريق الثنائيّ؟
1. أن يكون كلا الشريكين مترجماً وملمّاً بالزوج اللغوي الذي يشتغلان به. إنني لا أقترح هنا أن يعمل أحدهما عمل المترجم والآخر عمل السكرتيرة الطابعة وإنما أن يكون كل منهما قادراً على الترجمة.
2. من الضروري جداً أن يكون المترجم الثاني سريعاً في الطباعة سرعةَ المترجم الأول في الكلام. كنت صبية صغيرة عندما التحقت بدورة في الطباعة في معهد تدريبيّ. سألتني المعلمة إن كانت لدي أية خبرة في الطباعة. وبحماس الأطفال وبراءتهم، قلت، "لا، لكنني أعزف على البيانو!" وقد يظن القارئ أنها ضحكت وقالت "ما علاقة هذا بذاك"؟ ولكن العكس هو الصحيح. كان جوابها لي، "هذا ممتاز، فأنت تعرفين كيف تستخدمين الأصابع العشرة معاً". يمكنك أن تستخدم برنامجاً لتعلّم الطباعة، وأؤكد لك أن إنتاجيتك ستزيد بشكل ملحوظ، ولن يكون هذا مضيعة للوقت بل استثماراً تستفيد منه في المستقبل. هذا الأمر جوهريّ جداً في موضوع الترجمة الثنائية، وإلا اضطر المترجم الأول إلى إعادة الفكرة والتوقّف حتى يتمكن الثاني من طباعة ما يمليه عليه.
3. أن يكونا متقاربين جغرافياً لتسهيل لقائهما وعدم تضييع الوقت، لذلك فالوضع الأمثل هو الثنائية المتواجدة في البيت نفسه، أو مركز العمل ذاته.
4. أن يكون بينهما انسجام واحترام متبادل. فإن كان العمل المشترك في المطبخ صعباً على اثنين غير متفاهمين، مع أنه عمل يدويّ لا يتطلب جهداً فكرياً، فما بالك بالترجمة وهي تحتاج إلى تركيز ذهني. لا تحاول أن تترجم مع زميل كثير الانتقاد، أو من يتعامل معك بفوقيّة، لأنكما لن تتمكنا من العمل المشترك بدون خلاف وجدل وتضييع للوقت. كن بالأولى مشجّعاً، وامدح شريكك على الكلمة التي انتقاها عندما تراها فعلاً مناسبة، فليس الأطفال وحدهم بحاجة إلى التشجيع وإنما الكبار أيضاً يدفعهم المديح والثناء إلى المزيد من العطاء والإنتاج. من المهم أن يتجنّب المترجم الثاني المقاطعة، وأن ينتظر حتى ينتهي الأول من جملته لكي يقدم اقتراحه بالتعديل إن كان يستحق الذكر، وإلا فالتعديل بصمت أنفع، ولاسيما من ناحية التنوين، والعلامات الإعرابية، والتأنيث، وحرف الجر الأنسب، أي الأمور التي لن تغيّر في المعنى.
5. أن يكونا جادّيْن ومجتهدَيْن. من الجدير بالذكر أن دور المترجم الثاني لا يقل أهمية عن دور الأول، ومن المهم أن يكون متيقظاً ومتابعاً للعبارة التي تترجم. سيلاحظ مثلاً أن زميله توقف عند كلمة ما وصمت، وهنا يمكن له أن يساعده بالكلمة المناسبة في اللغة الهدف. ولكن رغم أهمية الجدّ أنصح بإبقاء روح المرح. إن الاستمرار بالوتيرة الجادة نفسها لساعات يعرّضنا للملل، ولا بأس من أن نضحك أو نعلّق على المادة المترجمة بين الحين والآخر.
أرجو أن أكون قد وفّقت في عرض وجهة النظر هذه لحثّ الزميلات والزملاء على ما يمكن أن يزيد من إنتاجيّتهم في هذه المهنة المحبّبة إلى قلوبنا.
المصدر:http://www.atida.org/makal.php?id=182
كتب الزميل عبد الودود العمراني مقالة مفيدة عن التعامل مع الزملاء وتكوين فريق عمل. لكنني هنا أركّز على ناحية واحدة من المشاركة، وهي عمل الترجمة الذي يقوم به مترجمان اثنان فقط. هذه الدراسة مبنيّة على تجربة شخصيّة متواضعة في الترجمة الثنائيّة، وعلى تعاوني مع زوجي في هذا الأمر لسنين عديدة. ليست الثنائية حصراً على الزوجين ولكن يمكن بكل سهولة أن تكون بين زميلين مترجمين.
كيف تتمّ الترجمة الثنائيّة؟
يجب أن يكون النص المصدر موجوداً على حاسوب كلا الطرفين، ويقوم الأول فيهما بالترجمة بصوت مسموع. أما المترجم الثاني فيطبع باللغة المترجَم إليها، ويعكف على محو كل ما تمّت ترجمته من اللغة المصدر لكي يرى النص باللغة المترجَم إليها، وما يتبعه مباشرة في اللغة المصدر. إن معظم أداء المترجم الأول شفهيّ، فكل ما يجب عليه أن يعمله على الحاسوب هو إيجاد مرادفات إن تعسّرت عليه، وهذا طبعاً ممكن من خلال القواميس المحمّلة على الحاسوب. أما المترجم الثاني فيفكر في اللغة الهدف، ويرى صياغة النص، وهكذا يمكن أن يعدل بصمت ما لا يستحق الذكر، أو يقدّم اقتراحاً مسموعاً إن لزم الأمر. وربما ظنّ أحدهم أن هذا مضيعة للوقت لأن الاثنين يعملان عملاً يمكن لواحد منهما أن يعمله، ولكن قس سرعتك في الترجمة الفردية، ثم جرّب هذه الطريقة وقس سرعتك مجدداً، وستفاجأ بأن العمل الثنائي يتم في أقل من نصف الوقت الذي يحتاج إليه الفرد لإنجاز نفس العمل.
أسباب تفوّق العمل الثنائيّ على العمل الفرديّ:
1. المترجم الأول غير مشغول بالحاسوب والطباعة وتعديل القياسات والأمور التقنية، ولكن كل تركيزه مُنصبّ على اللغة المصدر؛ في حين أن المترجم الثاني يتأمل في النص في اللغة الهدف، ويستطيع بكل سهولة أن ينتبه مثلاُ إلى تعديل الفعل في الحديث عن المثنى عوضاً عن الجمع، وإلى الحركات الإعرابية، وإلى صياغة الجملة. سيتمكن أيضاً من وضع مفردة جديدة عندما يلاحظ تكرار كلمة ما، وهكذا تغدو مراجعة النص عملاً سريعاً جداً بعد الانتهاء من الترجمة. ووجود النص أمامه يجعله قادراً على نقل علامات الترقيم والأرقام والشواهد والأسماء الغريبة بكل سهولة.
2. أحياناً لا تخطر ببال المترجم الأول الكلمة المناسبة، وهنا يأتي دور الشريك الذي يقترح عليه ما يناسب. وهذا بمفرده يقلل من الوقت المنفَق في البحث عن المعاني، ليس لأن واحداً من المترجمين هو أمهر من الثاني، ولكننا جميعاً معرضون لأن تغيب الكلمة المناسبة عن بالنا، وهنا تكمن روعة التعاون الثنائيّ.
3. الترجمة عمل مرهق فكرياً ونفسياً، وعندما يعمل كل منا بمفرده فقد يسهو أو ينشغل بعمل أشياء ثانوية على الحاسوب من دردشة وتفقد للبريد، وهذا طبعاً غير ممكن عندما يعمل مع مترجم آخر.
ما هي الشروط التي يجب توافرها في الفريق الثنائيّ؟
1. أن يكون كلا الشريكين مترجماً وملمّاً بالزوج اللغوي الذي يشتغلان به. إنني لا أقترح هنا أن يعمل أحدهما عمل المترجم والآخر عمل السكرتيرة الطابعة وإنما أن يكون كل منهما قادراً على الترجمة.
2. من الضروري جداً أن يكون المترجم الثاني سريعاً في الطباعة سرعةَ المترجم الأول في الكلام. كنت صبية صغيرة عندما التحقت بدورة في الطباعة في معهد تدريبيّ. سألتني المعلمة إن كانت لدي أية خبرة في الطباعة. وبحماس الأطفال وبراءتهم، قلت، "لا، لكنني أعزف على البيانو!" وقد يظن القارئ أنها ضحكت وقالت "ما علاقة هذا بذاك"؟ ولكن العكس هو الصحيح. كان جوابها لي، "هذا ممتاز، فأنت تعرفين كيف تستخدمين الأصابع العشرة معاً". يمكنك أن تستخدم برنامجاً لتعلّم الطباعة، وأؤكد لك أن إنتاجيتك ستزيد بشكل ملحوظ، ولن يكون هذا مضيعة للوقت بل استثماراً تستفيد منه في المستقبل. هذا الأمر جوهريّ جداً في موضوع الترجمة الثنائية، وإلا اضطر المترجم الأول إلى إعادة الفكرة والتوقّف حتى يتمكن الثاني من طباعة ما يمليه عليه.
3. أن يكونا متقاربين جغرافياً لتسهيل لقائهما وعدم تضييع الوقت، لذلك فالوضع الأمثل هو الثنائية المتواجدة في البيت نفسه، أو مركز العمل ذاته.
4. أن يكون بينهما انسجام واحترام متبادل. فإن كان العمل المشترك في المطبخ صعباً على اثنين غير متفاهمين، مع أنه عمل يدويّ لا يتطلب جهداً فكرياً، فما بالك بالترجمة وهي تحتاج إلى تركيز ذهني. لا تحاول أن تترجم مع زميل كثير الانتقاد، أو من يتعامل معك بفوقيّة، لأنكما لن تتمكنا من العمل المشترك بدون خلاف وجدل وتضييع للوقت. كن بالأولى مشجّعاً، وامدح شريكك على الكلمة التي انتقاها عندما تراها فعلاً مناسبة، فليس الأطفال وحدهم بحاجة إلى التشجيع وإنما الكبار أيضاً يدفعهم المديح والثناء إلى المزيد من العطاء والإنتاج. من المهم أن يتجنّب المترجم الثاني المقاطعة، وأن ينتظر حتى ينتهي الأول من جملته لكي يقدم اقتراحه بالتعديل إن كان يستحق الذكر، وإلا فالتعديل بصمت أنفع، ولاسيما من ناحية التنوين، والعلامات الإعرابية، والتأنيث، وحرف الجر الأنسب، أي الأمور التي لن تغيّر في المعنى.
5. أن يكونا جادّيْن ومجتهدَيْن. من الجدير بالذكر أن دور المترجم الثاني لا يقل أهمية عن دور الأول، ومن المهم أن يكون متيقظاً ومتابعاً للعبارة التي تترجم. سيلاحظ مثلاً أن زميله توقف عند كلمة ما وصمت، وهنا يمكن له أن يساعده بالكلمة المناسبة في اللغة الهدف. ولكن رغم أهمية الجدّ أنصح بإبقاء روح المرح. إن الاستمرار بالوتيرة الجادة نفسها لساعات يعرّضنا للملل، ولا بأس من أن نضحك أو نعلّق على المادة المترجمة بين الحين والآخر.
أرجو أن أكون قد وفّقت في عرض وجهة النظر هذه لحثّ الزميلات والزملاء على ما يمكن أن يزيد من إنتاجيّتهم في هذه المهنة المحبّبة إلى قلوبنا.
المصدر:http://www.atida.org/makal.php?id=182


