ما المصطلحية؟
23-01-2009
تعتبر المصطلحية -في القرن العشرين- مبحثا خاصا ومستقلا. وقد اعتمد المنافحون عن استقلاليته على ركيزتين، أولاهما أن المصطلحية أرست أسس إطار نظري أصيل تعالج فيه ظاهرة "التسمية" في اللغات الطبيعية. وثانيهما أن المصطلحية تعتبر –في المجال التطبيقي- في حقل التواصل ميدانا مكتفيا بذاته.
على أن الباحثين المهتمين بهذا المبحث الجديد –لا سيما اللسانيين منهم- ينكرون هذا الاستقلال وذاك الاكتفاء الذاتي. وحجتهم في ذلك أن "توليد وتوالد المفردات يخضع لمبادئ وقيود نظرية ومنهجية من شأنها أن تكون علما مستقلا هو المصطلحية. وبديهي أن يكون هذا العلم فرعا من فروع علم اللسان، وأن يستورد أصولا نظرية وحلولا عملية من هذه الفروع. فمن موارد بناء هذا العم ضوابط التوليد والأثالة (etymology) بما تضم من جوانب دلالية وصرفية على الخصوص، وكذلك ضوابط الترجمة حين يتعلق الأمر بقاموس متعدد اللغات"(1). وبناء على هذا فإن المصطلحية ليست علما خاصا مكتفيا بذاته. يضاف إلى ذلك أن "الأصول النظرية والحلول العملية" التي يبني عليها أطروحاته ويواجه بها المشكلات العملية المتعلقة بالتسمية موجودة في اللسانيات. بل إن الباحث يسند إلى اللساني مهمة جليلة –صحيح أنها ترتبط بمسألة المصطلح في اللغة العربية- تتعدى ميدان اشتغاله (اللسانيات) إلى ميادين تواجه مشكلة المصطلح بحدة. يقول: "غني عن البيان أن اللساني يتصدر مركز المسؤولية في التخطيط والتطويع والمواكبة المتعلقة بالاصطلاح. فهو لا يسأل عن مصطلح ميدانه فحسب، ولا عن اصطلاح الميادين المجاورة، بل يقاسم مسؤولية أي أخصائي في وضع المولّد الجديد في حقله، وضبط وسائل توليد اللغة في أي حقل من الحقول المعرفية والتنظير لهذه الوسائل..."(2).
كانت المصطلحية مجالا محدوداً يحتكره عدد محدود من المنظرين والمختصين في علوم عديدة، ولكنها أضحت اليوم، بفضل مجهودات بذلها وما زال ثلة من الباحثين والممارسين، منهجية منسجمة لها نظرياتها المناسبة. إلا أنها "حقل دراسي متعدد التخصصات متنوعها" كما قال فوستر، وذلك لأنها مجال تلتقي عنده اللسانيات والمنطق والفلسفة وعلم الوجود والمعلوميات...الخ. ويتمثل العنصر المشترك بين هذه التخصصات في أن كلا منها معني –إلى هذا الحد أو ذاك- بالتنظيم الشكلي للعلاقات المتشابكة والمعقدة بين المصطلحات والمفاهيم.
يعرف جورج ساكر المصطلحية بأنها "دراسةٌ وحقلُ نشاط يُعنى بجمع المصطلحات ومعالجتها وتقديمها، أي الألفاظ المنتمية إلى مجالات مخصوصة (...) فمن حيث الغايات، بين المعجماتية والمصطلحية أواصر قربى، لأن الأولى تسعى وراء هدفين جمع معطيات لغة ما، ثم توفير معلومات عن تلك المعطيات، وفي بعض الأحيان تقديم خدمة استشارية لمستعملي اللغة. والداعي إلى التمييز بين المصطلحية والمعجماتية يمثله الفرق الكامن في طبيعة المعطيات التي يعنى بها كل منهما، واختلاف خلفيات المسهمين في كلا العلمين، وإلى حد ما اختلاف المناهج الموظفة في كلا المبحثين"(3).
والظاهر الجلي أن للمصطلحية ثلاثة معان:
أ- مجموع الممارسات والمناهج المستعملة في جمع المصطلحات ووصفها وتوفيرها للمعنيين بها.
ب- نظرية، أي مجموعة من المقدمات والبراهين والخلاصات التي يتطلبها تفسير العلاقات بين المفاهيم والمصطلحات. وهي أساسية لضمان معالجة منسجمة لما ورد في النقطة "أ".
ج- مصطلحات حقل معرفي بعينه؛ (وهذا المعنى الأخير يعني اللغات اللاتينية، دون العربية لأن هذه تملك صيغتين للتمييز بين العلم (المصدر الصناعي "المصطلحية")، ومجموعة المصطلحات (الجمع "المصطلحات").
المقصود بكون المصطلحية مبحثاً متعدد التخصصات أنها لا يمكن أن يحتكر القول الفصل فيها علم واحد أو يدّعي أنها من إقطاعياته. وذلك لأن المصطلحية "تستعير من الفلسفة والإبستمولوجيا نظريات تتعلق ببنية المعرفة وتكوُّن المفاهيم (التصورات)، وطبيعة التعريفات...الخ، ومن علم النفس نظريات الإدراك والفهم والتواصل...الخ، ومن اللسانيات نظريات تتعلق بالمعجم وبنيته وتكوُّنه؛ وتشترك مع المعجماتية في طرق تنظيم (ترتيب) الكلمات ووصفها وكذا الخبرة الخاصة بتقديم معلومات حول الكلمات"(4).
كانت النظرية المصطلحية في المراحل الأولى من القرن العشرين خاضعة لهيمنة المهندسين والعلماء الذين كانوا في حاجة ماسة إلى ضبط الكم الهائل من التسميات الجديدة الناجمة عن النمو المتسارع في مجال العلم والتكنولوجية. وكانت هذه الحاجة ملموسة في الدول المصنّعة –ومن ثم شأنها الخاص- طوال النصف الأول من القرن العشرين. ولما كان حاصل نشاط التسمية يعدّ يومذاك لغة اصطناعية فقد ادعي أن هذا النشاط لا يقع ضمن اهتمامات اللغات الطبيعية. إلا أن عدداً من التطورات والتحولات أسهمت في تغيير هذا الرأي. ونذكر منها:
"أ- انتقال اللسانيات نفسها من مقاربة تاريخية إلى مقاربة وصفية آنية.
ب- العناية التي أصبحت اللسانيات تخص بها اللغة الفنية، حتى أنها تدعي اليوم أن المصطلحية ليست إلا بعداً من أبعاد المعجمية والمعجماتية.
ج- عناية اللسانيات الاجتماعية والتداوليات بالمجموعات اللغوية الفرعية وبشروط إنتاجها واستعمالها.
د- شروع المجموعات اللغوية غير الأوروبية في الدعوة إلى تجاوز التصورات الأوروبية لنماذج المصطلح ومصادره (الأساس الإغريقي واللاتيني المقترح لتوحيد الأشكال المصطلحية).
هـ ما قدمته التجارب المتعلقة بالتخطيط اللغوي من خبرات غنية ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في النظرية المصطلحية.
و- مكّن النمو المتسارع لتقنيات معالجة اللغة الطبيعية من توفير معطيات تجريبية بالإمكان استثمارها لاختبار أي نظرية مصطلحية أو دعمها أو تعديلها"(5).
ولما كانت المصطلحية تقيم أعمدتها على الدلالة فبالإمكان دراستها من ثلاث زوايا مختلفة ولكنها متكاملة:
أ- زاوية الإحالة.
ب- زاوية التسمية المعطاة للإحالة.
ج- زاوية معادلة التسمية والإحالة.
وتأسيساً على هذا نحصل على ثلاثة أبعاد في النظرية المصطلحية:
أ- بعد معرفي يربط بين الأشكال (الصيغ) اللغوية والمحتوى المفهومي.
ب- بعد لغوي يفحص الصيغ اللغوية الفعلية والكامنة لتمثيل المصطلحات.
ج- بعد تواصلي ينظر في استعمال المصطلحات.
المصدر:http://www.atida.org/makal.php?id=182
على أن الباحثين المهتمين بهذا المبحث الجديد –لا سيما اللسانيين منهم- ينكرون هذا الاستقلال وذاك الاكتفاء الذاتي. وحجتهم في ذلك أن "توليد وتوالد المفردات يخضع لمبادئ وقيود نظرية ومنهجية من شأنها أن تكون علما مستقلا هو المصطلحية. وبديهي أن يكون هذا العلم فرعا من فروع علم اللسان، وأن يستورد أصولا نظرية وحلولا عملية من هذه الفروع. فمن موارد بناء هذا العم ضوابط التوليد والأثالة (etymology) بما تضم من جوانب دلالية وصرفية على الخصوص، وكذلك ضوابط الترجمة حين يتعلق الأمر بقاموس متعدد اللغات"(1). وبناء على هذا فإن المصطلحية ليست علما خاصا مكتفيا بذاته. يضاف إلى ذلك أن "الأصول النظرية والحلول العملية" التي يبني عليها أطروحاته ويواجه بها المشكلات العملية المتعلقة بالتسمية موجودة في اللسانيات. بل إن الباحث يسند إلى اللساني مهمة جليلة –صحيح أنها ترتبط بمسألة المصطلح في اللغة العربية- تتعدى ميدان اشتغاله (اللسانيات) إلى ميادين تواجه مشكلة المصطلح بحدة. يقول: "غني عن البيان أن اللساني يتصدر مركز المسؤولية في التخطيط والتطويع والمواكبة المتعلقة بالاصطلاح. فهو لا يسأل عن مصطلح ميدانه فحسب، ولا عن اصطلاح الميادين المجاورة، بل يقاسم مسؤولية أي أخصائي في وضع المولّد الجديد في حقله، وضبط وسائل توليد اللغة في أي حقل من الحقول المعرفية والتنظير لهذه الوسائل..."(2).
كانت المصطلحية مجالا محدوداً يحتكره عدد محدود من المنظرين والمختصين في علوم عديدة، ولكنها أضحت اليوم، بفضل مجهودات بذلها وما زال ثلة من الباحثين والممارسين، منهجية منسجمة لها نظرياتها المناسبة. إلا أنها "حقل دراسي متعدد التخصصات متنوعها" كما قال فوستر، وذلك لأنها مجال تلتقي عنده اللسانيات والمنطق والفلسفة وعلم الوجود والمعلوميات...الخ. ويتمثل العنصر المشترك بين هذه التخصصات في أن كلا منها معني –إلى هذا الحد أو ذاك- بالتنظيم الشكلي للعلاقات المتشابكة والمعقدة بين المصطلحات والمفاهيم.
يعرف جورج ساكر المصطلحية بأنها "دراسةٌ وحقلُ نشاط يُعنى بجمع المصطلحات ومعالجتها وتقديمها، أي الألفاظ المنتمية إلى مجالات مخصوصة (...) فمن حيث الغايات، بين المعجماتية والمصطلحية أواصر قربى، لأن الأولى تسعى وراء هدفين جمع معطيات لغة ما، ثم توفير معلومات عن تلك المعطيات، وفي بعض الأحيان تقديم خدمة استشارية لمستعملي اللغة. والداعي إلى التمييز بين المصطلحية والمعجماتية يمثله الفرق الكامن في طبيعة المعطيات التي يعنى بها كل منهما، واختلاف خلفيات المسهمين في كلا العلمين، وإلى حد ما اختلاف المناهج الموظفة في كلا المبحثين"(3).
والظاهر الجلي أن للمصطلحية ثلاثة معان:
أ- مجموع الممارسات والمناهج المستعملة في جمع المصطلحات ووصفها وتوفيرها للمعنيين بها.
ب- نظرية، أي مجموعة من المقدمات والبراهين والخلاصات التي يتطلبها تفسير العلاقات بين المفاهيم والمصطلحات. وهي أساسية لضمان معالجة منسجمة لما ورد في النقطة "أ".
ج- مصطلحات حقل معرفي بعينه؛ (وهذا المعنى الأخير يعني اللغات اللاتينية، دون العربية لأن هذه تملك صيغتين للتمييز بين العلم (المصدر الصناعي "المصطلحية")، ومجموعة المصطلحات (الجمع "المصطلحات").
المقصود بكون المصطلحية مبحثاً متعدد التخصصات أنها لا يمكن أن يحتكر القول الفصل فيها علم واحد أو يدّعي أنها من إقطاعياته. وذلك لأن المصطلحية "تستعير من الفلسفة والإبستمولوجيا نظريات تتعلق ببنية المعرفة وتكوُّن المفاهيم (التصورات)، وطبيعة التعريفات...الخ، ومن علم النفس نظريات الإدراك والفهم والتواصل...الخ، ومن اللسانيات نظريات تتعلق بالمعجم وبنيته وتكوُّنه؛ وتشترك مع المعجماتية في طرق تنظيم (ترتيب) الكلمات ووصفها وكذا الخبرة الخاصة بتقديم معلومات حول الكلمات"(4).
كانت النظرية المصطلحية في المراحل الأولى من القرن العشرين خاضعة لهيمنة المهندسين والعلماء الذين كانوا في حاجة ماسة إلى ضبط الكم الهائل من التسميات الجديدة الناجمة عن النمو المتسارع في مجال العلم والتكنولوجية. وكانت هذه الحاجة ملموسة في الدول المصنّعة –ومن ثم شأنها الخاص- طوال النصف الأول من القرن العشرين. ولما كان حاصل نشاط التسمية يعدّ يومذاك لغة اصطناعية فقد ادعي أن هذا النشاط لا يقع ضمن اهتمامات اللغات الطبيعية. إلا أن عدداً من التطورات والتحولات أسهمت في تغيير هذا الرأي. ونذكر منها:
"أ- انتقال اللسانيات نفسها من مقاربة تاريخية إلى مقاربة وصفية آنية.
ب- العناية التي أصبحت اللسانيات تخص بها اللغة الفنية، حتى أنها تدعي اليوم أن المصطلحية ليست إلا بعداً من أبعاد المعجمية والمعجماتية.
ج- عناية اللسانيات الاجتماعية والتداوليات بالمجموعات اللغوية الفرعية وبشروط إنتاجها واستعمالها.
د- شروع المجموعات اللغوية غير الأوروبية في الدعوة إلى تجاوز التصورات الأوروبية لنماذج المصطلح ومصادره (الأساس الإغريقي واللاتيني المقترح لتوحيد الأشكال المصطلحية).
هـ ما قدمته التجارب المتعلقة بالتخطيط اللغوي من خبرات غنية ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في النظرية المصطلحية.
و- مكّن النمو المتسارع لتقنيات معالجة اللغة الطبيعية من توفير معطيات تجريبية بالإمكان استثمارها لاختبار أي نظرية مصطلحية أو دعمها أو تعديلها"(5).
ولما كانت المصطلحية تقيم أعمدتها على الدلالة فبالإمكان دراستها من ثلاث زوايا مختلفة ولكنها متكاملة:
أ- زاوية الإحالة.
ب- زاوية التسمية المعطاة للإحالة.
ج- زاوية معادلة التسمية والإحالة.
وتأسيساً على هذا نحصل على ثلاثة أبعاد في النظرية المصطلحية:
أ- بعد معرفي يربط بين الأشكال (الصيغ) اللغوية والمحتوى المفهومي.
ب- بعد لغوي يفحص الصيغ اللغوية الفعلية والكامنة لتمثيل المصطلحات.
ج- بعد تواصلي ينظر في استعمال المصطلحات.
المصدر:http://www.atida.org/makal.php?id=182


